فادي عماش: أبوظبي نحو جيل جديد من الفنادق… ذكية في تقنياتها وإنسانية في ضيافتها
يتحدث فادي عماش، المدير العام لفندق «جراند ميلينيوم الوحدة»، عن التحولات الجذرية في قطاع الضيافة بعاصمة الإمارات أبوظبي. يكشف عماش عن معادلة الجمع بين الذكاء الاصطناعي والدفء الإنساني، متطرقاً إلى متطلبات الضيف الحديث، وأهمية الكواليس التشغيلية، ومبادرات التسجيل الذكي (Smart Check-In)، بجانب محطات من رحلته الشخصية التي قادته من حلم الطيران إلى قيادة واحد من أبرز صروح الضيافة في المنطقة.

فادي عماش: أبوظبي نحو جيل جديد من الفنادق… ذكية في تقنياتها وإنسانية في ضيافتها
حوار: د. سارة ضاهر أبوظبي – 2026
«الذكاء الاصطناعي مهم جداً وهو جزء أصيل من المستقبل، لكنه لا يستطيع أن يبتسم للضيف بالطريقة الإنسانية نفسها أو يرحب به بعفوية.. معادلتنا في الضيافة هي أن نصبح أكثر ذكاءً تقنياً دون أن نفقد روحنا الإنسانية.» فادي عماش
في قطاع يتغيّر بوتيرة متسارعة، لم يعد نجاح الفندق يُقاس بالفخامة وحدها، ولا بعدد النجوم أو جمال الغرف والمرافق. فالضيف أصبح أكثر معرفة، والتكنولوجيا أعادت صياغة رحلته، والذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر طريقة البحث والحجز والتواصل، فيما تبقى المعادلة الأصعب: كيف يمكن للفندق أن يصبح أكثر ذكاءً من دون أن يفقد إنسانيته؟
في حوار خاص، يتحدث فادي عماش، المدير العام لفندق «جراند ميلينيوم الوحدة» في أبوظبي، عن التحولات التي يشهدها قطاع الضيافة، وعن الدور الذي تؤديه الفنادق في نقل صورة العاصمة إلى العالم، ومستقبل الذكاء الاصطناعي والتسجيل الذكي، وأهمية الفريق والتدريب، وما لا يراه الضيف من عمل ضخم يجري خلف الكواليس. كما يكشف عن الجانب الإنساني من رحلته المهنية: طفل كان يحلم بأن يصبح كابتن طائرة لأنه أحب السفر، فقادته الحياة إلى مهنة أخرى أخذته بدورها إلى العالم والثقافات المختلفة.
أبوظبي… والفندق جزء من صورة المدينة
كيف تقرأون التطور الذي يشهده قطاع الضيافة في أبوظبي، وما الدور الذي تؤديه الفنادق في هذه المرحلة؟
أبوظبي تشهد تطوراً كبيراً جداً في قطاع الضيافة، وهذا أمر نراه بوضوح كمديري فنادق، بالتعاون مع دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، ومع المبادرات والتطورات الجديدة التي تهدف إلى تعزيز مكانة الإمارة كوجهة سياحية عالمية. وعندما نتحدث عن السياحة، فنحن لا نتحدث فقط عن العطلات والترفيه؛ هناك سياحة الأعمال والمؤتمرات والفعاليات، والسياحة العلاجية، إلى جانب أشكال متعددة من السفر، وأبوظبي تمتلك حضوراً مهماً في هذه المجالات.
أما دورنا كفنادق، فهو أن نساهم في تقديم صورة تليق بأبوظبي. تجربة الضيف في الفندق تصبح جزءاً من تجربته مع المدينة نفسها. عندما يعود إلى بلده ويتحدث عن جودة الفندق، وحسن المعاملة، واحترافية الموظفين، وقدرته على إنجاز أعماله والعثور على كل ما يحتاج إليه، فهو في الحقيقة ينقل معه صورة عن أبوظبي. الفندق، بهذا المعنى، ليس منفصلاً عن الوجهة؛ بل هو أحد الوجوه التي يرى العالم المدينة من خلالها.
الذكاء الاصطناعي مهم… لكنه لا يستطيع أن يبتسم للضيف
الذكاء الاصطناعي أصبح في قلب الحديث عن مستقبل القطاعات المختلفة. كيف سيؤثر في الضيافة؟ وهل يمكن أن يحل مكان الإنسان؟
الذكاء الاصطناعي مهم جداً، وهو بالتأكيد جزء من المستقبل. كما غيّر الإنترنت الكثير من المفاهيم منذ دخوله إلى حياتنا، بدأ الذكاء الاصطناعي اليوم بإحداث تحول جديد. لكن، في رأيي، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يأخذ مكان الإنسان بالكامل في الضيافة؛ فهو لا يستطيع أن يبتسم للضيف بالطريقة الإنسانية نفسها، أو يرحب به بعفوية، أو يقرأ تعابير وجهه ويتفاعل معه بصورة طبيعية وصادقة. هذه التفاصيل الإنسانية أساسية في مهنتنا.
في المقابل، يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن يساعدانا كثيراً في تطوير العمل وتسهيل تجربة الضيف. لكن كلما أدخلنا مزيداً من التكنولوجيا، أصبح الحفاظ على خصوصية بيانات الضيف وحمايتها أكثر أهمية. واليوم أصبح الضيف يبحث عن التكنولوجيا التي تسهّل إقامته: إنترنت أسرع، إمكانية استخدام تطبيقاته ومحتواه على شاشة الغرفة، حجوزات أسهل، وخدمات رقمية أسرع دون الحاجة للانتظار.
الضيف يعرف الكثير قبل أن يصل
هل غيّرت التكنولوجيا والتقييمات والمنصات الرقمية العلاقة بين الفندق والضيف؟
الضيف اليوم يستطيع، أينما كان في العالم، أن يحصل خلال دقائق، وربما ثوانٍ، على فكرة واسعة عن الفندق والأسعار والخدمات والتقييمات. لكن المسألة الأساسية ليست مجرد وجود المعلومات، بل دقتها؛ هل ما يراه الضيف على الإنترنت هو فعلاً ما سيجده عندما يصل؟ الضيف يقرأ التقييمات، ويبحث في الخدمات، ويقارن الأسعار، ويريد أن يعرف القيمة المضافة مقابل ما يدفعه (Value for the Price Paid). لذلك مسؤوليتنا أن تتطابق التجربة الحقيقية مع الوعد الرقمي.
هوية الفندق تبدأ من فريقه
وسط المنافسة الكبيرة بين العلامات الفندقية، كيف يصنع الفندق هوية حقيقية؟
هوية الفندق يصنعها فريق العمل. الموظفون هم الواجهة التي تمثل العلامة التجارية وتحافظ على صورتها. قد تكون لديك علامة قوية ومعايير واضحة، لكن الفريق هو الذي يحول هذه المعايير إلى تجربة حقيقية يعيشها الضيف. لدينا معايير تشغيلية تشمل تفاصيل كثيرة جداً: طريقة استقبال الضيف، حمل الأمتعة، تقديم الإفطار، والترحيب عند المدخل. هذه التفاصيل عندما تُطبق باستمرار وبشكل صحيح، تقل الأخطاء وترتفع جودة الخدمة.
التدريب ليس مناسبة… بل عملية يومية
كيف تغيّر تدريب العاملين في قطاع الضيافة؟
التدريب أساسي ويجب أن يكون مستمراً عبر جلسات متخصصة أو اجتماعات يومية. التدريب يجعل الموظف يشعر بأنه يتعلم ويتطور، وهذا يتحول إلى حافز لتقديم المزيد. على سبيل المثال، قدمنا تدريباً تفاعلياً حول التعامل مع الضيف الغاضب، ركزنا فيه على الاستماع الحقيقي، وتفهّم المشاعر، وإظهار حسن النية، ثم تقديم الحل والمتابعة بعده. ومن تجاربنا، الضيف الذي يواجه مشكلة وتُحل باهتمام حقيقي يتحول غالباً إلى أحد أكثر الضيوف ولاءً للفندق.
70% من الفندق لا يراه الضيف
ما الذي يحدث خلف الكواليس ولا يراه الضيف؟
تقريباً كل شيء! ما يراه الضيف قد يكون 20 أو 30 في المئة فقط، بينما الجزء الأكبر يجري خلف الكواليس: الاستراتيجية، التحضير، الصيانة، النظافة، المشتريات، وسلامة الغذاء. أي طبق يصل إلى طاولة الضيف يمر برحلة طويلة: اختيار المورد، تجربة العينات، إعداد الوصفة، تدريب الطهاة، ومعايير الصحة والسلامة. الكواليس هي المحرّك الحقيقي للفندق.
الموظف الذي يشعر بالانتماء يصنع تجربة مختلفة
كيف يمكن الحفاظ على جودة التجربة وسط حركة الموظفين المستمرة بالقطاع؟
الأساس هو ما تبنيه المؤسسة. بالنسبة إلينا، أساس الخدمة هو أن يشعر الموظف بالراحة والانتماء والولاء للمكان، لذا نهتم كثيراً بـ جودة الحياة (Well-being) النفسية والجسدية. لدينا مجموعة داخلية تضم نحو 400 موظف نتشارك عبرها الأخبار الإيجابية وتقييمات الضيوف والجوائز. النجاح لا يجب أن يبقى خبراً إدارياً؛ بل يجب أن يشعر به الموظف الذي ساهم في صنعه.
جائزتان… وإنجاز لفريق كامل
«حصد فندق جراند ميلينيوم الوحدة أبوظبي في جوائز World Travel Awards لعام 2026 لقبي: United Arab Emirates’ Leading City Hotel 2026 وAbu Dhabi’s Leading City Hotel 2026.»
ماذا تعني لكم هذه الجوائز؟
لها قيمة معنوية كبيرة للفريق؛ الموظفون يشعرون بأن جهدهم تحول إلى إنجاز ملموس. هذه الجوائز تعزز صورة الفندق والعلامة التجارية، وتدعم أيضاً صورة قطاع الضيافة في أبوظبي عندما يكون اسم الفندق حاضراً في المنصات العالمية.
الأصالة الإماراتية داخل تجربة الفندق
الجيل الجديد من المسافرين يبحث عن القصة والثقافة. كيف تحضر الهوية المحلية في الفندق؟
التعرف إلى ثقافة المكان جزء أساسي من السفر. الضيافة العربية أساساً معروفة بالكرم والترحيب، لذا نرحب بالضيف بالقهوة العربية والتمر والماء. كما نقدم أطباقاً إماراتية في الإفطار، ونقيم خيمة رمضانية تبلغ مساحتها نحو 1,500 متر مربع تعكس روح الثقافة المحلية. التطور مهم، لكن الأصالة يجب أن تبقى حاضرة.
من الإنترنت السريع إلى الطعام الصحي
ما الخدمات التي أصبحت أكثر أهمية للضيف الحديث؟
التوقعات تطورت؛ فالضيف اليوم يريد إنترنت سريعاً جداً للعمل والبث الرقمي. وهناك اهتمام أكبر بالصحة؛ حيث ألزمت الجهات المختصة في أبوظبي بإدراج الخيارات الصحية في المطاعم السياحية بدءاً من أكتوبر 2026، مثل توفير خيار صحي بكل فئة، والالتزام بمعايير الملح منخفض الصوديوم. الضيافة لم تعد منفصلة عن مفهوم جودة الحياة والصحة.
فندق المستقبل يبدأ من الوجه
ما التحول الأكبر الذي سيغير تجربة الفندق خلال السنوات الخمس المقبلة؟
التكنولوجيا حكماً، ومن أبرزها التسجيل الذكي (Smart Check-in) والتقنيات البيومترية. أبوظبي تتجه لتوسيع استخدام التعرف إلى الوجه لإنجاز إجراءات الدخول بسلاسة وأمان مع تشفير كامل للبيانات وفق التعاميم الرسمية لعام 2026. ونحن في الفندق نواصل استعدادنا التقني لتطبيق هذه الحلول المتقدمة.
هل سنرى روبوتات في الفنادق؟
هل سنرى الروبوتات داخل الفنادق قريباً؟
ممكن جداً. الاعتماد على التكنولوجيا سيزيد في بعض الخدمات المباشرة كالطلبات الرقمية عبر واتساب أو التطبيقات. لكن هذا لا يعني اختفاء العنصر البشري؛ التكنولوجيا ستأخذ مساحة أكبر بينما يظل الجانب الإنساني هو الروح الحقيقية للتجربة.
من 500 ورقة إلى توقيع من الهاتف
وهل يمتد التغيير الرقمي إلى العمليات الداخلية أيضاً؟
بالتأكيد. في بداياتي كانت التقارير تحتاج مئات الأوراق، اليوم أصبحت المعاملات والموافقات تتم رقمياً بالكامل، حتى التوقيع الإداري يمكن أن يتم عبر الهاتف من أي مكان. هذا التحول يمنح كفاءة أسرع ويدعم الاستدامة بطلب ورق وبلاستيك أقل. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت التقنيات تتيح الجولات الافتراضية بزاوية 360 درجة ليتعرف الضيف على الفندق قبل وصوله.
طفل أراد أن يصبح كابتن طائرة
بعيداً عن الإدارة والأرقام، لماذا اخترت مهنة الضيافة؟
منذ صغري كنت أحب السفر والطيران، وكنت أقول إنني أريد أن أكون كابتن طائرة. لم أصبح كابتن طائرة، لكن الضيافة أعطتني ما كنت أبحث عنه: التعرف على الثقافات والالتقاء بأناس من كل أنحاء العالم.
اليوم لدينا في الفندق نحو 400 زميل يمثلون قرابة 50 جنسية مختلفة. عندما نجلس حول طاولة واحدة نتشارك الثقافات والتقاليد وحتى الأطعمة والنكهات، ونحتفي بمناسبات الجميع. لم أصبح طياراً كما حلمت طفلاً، لكن الضيافة أخذتني إلى العالم بطريقتها الخاصة.




